أغلقوا محاكم التفتيش

أغلقوا محاكم التفتيش
أغلقوا محاكم التفتيش

د. عائض القرني

لن تسلموا من تصنيف الناس ولو كنتم في بروج مشيّدة، فإذا تكلّمت أو حاضرت أو كتبت أو ألَّفت فسوف يقوم أناس موكّلون بك ويصنِّفونك تماماً، فإن كنت طالب علم ومدحت آراء الفقهاء ونقلت عن أهل المذاهب فأنت عندهم مقلِّد متعصّب جامد، وإن أخذت بالدليل واعتمدت على النص فأنت ظاهري جلف، وإن رفعت صوتك وأغلظت في العبارة وأنكرت على بعض المخالفات فأنت (خارجي)، وإن أكثرت من البشارة وذكَّرت الناس بعفو الله وفتحت باب الأمل لهم في التوبة فأنت (مرجئ)، وإن رفقت بأهل الشأن وألنت لهم الحديث فأنت عالم سلطان مداهن، وإن كتبت عن الآخر ونقلت عن الغرب فأنت (ليبرالي)، وإن تحدَّثت عن التمدن وخبرات الغير فأنت (علماني)، وإن حاضرت عن الحكم وما والاه فأنت (إخواني)، وإن ذكرت الولاء والبراء فأنت (سروري)، وإن أكثرت من المبشرات وأعرضت عن المنكرات فأنت (تبليغي)، وإن حاضرت عن الخلافة فأنت (تحريري)، وإن دعوت إلى منهج السلف ونبذ الشركيّات والبدع فأنت (وهّابي)، وإن أكثرت من الشمائل والمدائح النبوية فأنت (صوفي)، وعندي كتابات ورسائل تحدثت عني من البعض فذكرت عني وأنا العبد الفقير أنني (حلولي) لبيت شعر قلته من قصيدة، وآخر ذكر أني (صوفي) لعبارة قلتها في شريط، وثالث ذكر أني (خارجي) لأن لي قصيدة وأنا طالب بالثانوية بعنوان (دع الحواشي وأخرج)، ومقصودي: أيها العالم أخرج للناس معلماً ومربياً ولا تكتفي فقط بتحقيق الحواشي، فقال الأخ معلّقاً على كلامي: فانظر إليه يا أخي كيف يقول: (دع الحواشي وأخرج) ومقصوده أخرج على والي الأمر!! فبالله عليكم هل في كلامي ما يُفهم عند المسلمين أو اليهود أو النصارى أن قصدي أخرج على والي الأمر، وذكر آخر أنني (مرجئ) لأنني أُكثِر من ذكر التوبة والرحمة حتى سهّلت المعاصي للناس، وأنا لا أنكر أن هذه المذاهب والجماعات والأفكار موجودة ولكن الإنكار على من نصبوا أنفسهم قضاةً على عباد الله يصنِّفونهم على كل كلمة وقصيدة ومحاضرة وكتاب، قال الزمخشري عن تصنيف الناس:
* إذا سألوا عن مذهبي لم أبُحْ به - وأكْتُمُه كتمانُهُ لـيَ أَسلَـمُ

* فإن حَنَفياً قُلتُ قالوا: بأنّـني - أُبيحُ الطِّلا وهو الشرابُ المحرّمُ

* وإن مالكيًّا قلتُ قالوا: بأنَّـني - أبيحُ لهم أكْلَ الكلابِ وهمْ هُمُ

* وإن شافعيًّا قلتُ قالـوا: بأنَّـني - أُبيحُ نكاحَ البِنْتِ والبنتُ تَحْرُمُ

* وإن حنبليًّا قلتُ قالـوا: بأنّـني - ثقيلٌ حُلُـوليٌّ بغيضٌ مُجَسِّـمُ

* وإن قلتُ من أهل الحديث وحِزْبِهِ - يقولون تيسُ ليس يَدْرِي ويَفْهمُ

* تَعَجّبتُ من هذا الزمانِ وأهِلـهِ - فما أحدٌ مِنْ أَلسْنِ الناس يَسْلمُ

* أيها الناس أغلقوا محاكم التفتيش في أذهانكم، وأوقفوا ثكنات التجسس والاستخبارات في عقولكم، وارفعوا المشانق التي نصبتموها للآخرين، ويا أيها العلماء والدعاة صونوا ألسنتكم من الخوض في ما نهى الله عنه، ويا أيها الكتّاب أغمدوا أقلامكم عن التجريح والتشويه والهمز واللمز والغمز ولا تحكموا إلا ببيّنة كالشمس في رابعة النهار (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون)، أما الظنون والأوهام والوساوس فهي تليق بمرضى النفوس، فقراء القيم، خاوي الضمائر، يقول بنْ رشيد (بالشعبي):

* ما يستشكْ يا حسين كودْ الردييّنْ - وألا ترى الطيّبْ وسيعٍ بطانَهْ



[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 18:17

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك


«فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك»

د. عائض القرني

هذه أعظم قضية في العالم، وأكبر مسألة في الدنيا، وهي مسألة أن تعلم وتقر وتعترف أنه لا إله إلا الله فلا تعبد غيره، ولا توحد سواه.
إن الخلق خلقوا ليعلموا أن لا إله إلا الله، وأن الكتب نزلت لتثبت لا إله إلا الله، وإن الرسل بُعثت لتدعو إلى لا إله إلا الله، فقبل أن تعلم اعلم أنه لا إله الله، وقبل أن تدعو حقق لا إله إلا الله، وقبل أن تأمر وتنهى صحح لا إله إلا الله.

إن بداية الطريق لمن أراد الحياة الطيبة والعيش السعيد والخاتمة الحسنة والخلود في الجنة لهي هذه الكلمة الرائدة الخالدة بكل ما تحتويه من معنى أراده الله عز وجل يوم فرض على العباد تحقيقها. ولا بد لهذه الكلمة من اعتقاد جازم لا يخالطه شك، وحب صادق لا يكدره سخط، وصدق في قولها لا يمازجه كذب، وعمل بمقتضاها لا يناقضه مخالفة، ودعوة إليها لا يصاحبها فتور، وسلامة من كل ما يضادها أو يعارضها من شرك أو رياء أو بدعة ليكون قائلها أسعد الناس بها في الدنيا والآخرة.

لقد نزلت هذه الآية على الرسول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو أول داعية ليكون القدوة للناس، والأسوة للبشر في معرفة سر هذه الرسالة الخاتمة، ومعرفة مقصدها ومرادها.

إن موجزها تعريف الناس بكلمة لا إله إلا الله، وكل قول وعمل واعتقاد في الدين فإنه من هذه الكلمة انبثق، وإن هذه العبارة شعار فهي أصول الأصول، وبوابة الديانة، وطريق الفلاح، ولأن الله صاحب الكمال والجلال والجمال والعظمة فحقنا أن نوحده بلا إله إلا الله، ولأننا أهل الذنب والخطيئة والعيب والتقصير فعلينا بالاستغفار؛ ولهذا قال بعدها: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك»، إن الله هو الخالق الرزاق وهو حقيق بالألوهية والربوبية، وإن العبد مخلوق مرزوق مطعوم محتاج، فحقه أن يستغفره فقط من سيئاته وخطاياه.

إن بين لا إله إلا الله واستغفر صلة، كما بين الرب القوي الغني الماجد الواحد الجواد، وبين العبد الضعيف الفقير المحتاج الفاني، كل فضل وكل نعمة وكل عطية فمن الله، فواجب علينا أن نقر له بلا إله إلا الله، وكل خلل وزلل وعلل فمنا فحق علينا قول: استغفر الله.

إن العبد بين نعمة وذنب؛ ولهذا جاء في الحديث: «وأبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي». فالنعمة من الله الذي لا إله إلا هو. والذنب من العبد منجاته في التوحيد والاستغفار.

إن التوحيد حق الله لا ينازعه أحد فيه؛ لأنه واحد في ربوبيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، والاستغفار نجاة للعبد الذي غره شيطانه وخدعته نفسه وغلبه هواه وأشغلته دنياه فوقع في المعصية.

والآن لك أن تعرف سر الاقتران اللطيف بين التوحيد والاستغفار، وهذا وارد في عدة مواطن في القرآن مثل: «فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ»، ومثل: «لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، وعند أبي يعلي في الحديث: «أن الشيطان يقول: أهلكت العباد بالذنوب وأهلكوني بـ لا إله إلا الله والاستغفار».



[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 18:17

Modifié le lundi 25 février 2008 05:49

إيمان الصائمين

إيمان الصائمين
إيمان الصائمين

د. عائض القرني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين وبعد.
فالإيمان يزيد وينقص بحسب الأعمال؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، يزيد بالصلاح، وينقص بالفساد، يزيد بالاستقامة، وينقص بالانحراف. قال الله تعالى: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ» (محمد:17)، وقال عز من قائل: «لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ» (الفتح: من الآية 4).

وفي رمضان يزداد الإيمان، ويشرق التوحيد لقرب العبد من ربه تبارك وتعالى.

فالصيام من أعظم الأعمال، وهو قربة إلى الله عز وجل، وصلة عظيمة، يباعد بين العبد والنار، ويفرق بين المسلم والمعاصي.

وقيام رمضان أُنْسٌ ومحبة، وطاعة وشوق، يطرد النفاق عن العبد، ويسقي شجرة الإيمان، حتى تستوي على سوقها، وتؤتي أُكُلَها كلَّ حين بإذن ربها.

وإليكم ـ أيها الصائمون ـ تلك الأعمالَ التي تزيد في إيمانكم، وتنمّي يقينَكم: الصلاة في جماعةٍ بخشوعٍ وخضوعٍ وتأمّلٍ وحضورٍ «إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً» (النساء: من الآية 103)؛ فالصلاة في جماعة مذهبة للنفاق، ومورثةٌ للخشية، وناهية عن الفحشاء والمنكر.

قال تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ» (العنكبوت: من الآية 45). قراءة القرآن بتدبّر، وتأمّل آياته، والعيش في ظلاله، واستنشاق نسماته، والاهتداء بهديه «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلبَابِ» (ص: 29).

ذِكْرُ الله ـ عزّ وجلّ ـ بالقلب واللسان والجوارح، واللهج بالتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ» (البقرة: 152). ومناجاة الله ـ عزّ وجلّ ـ في الأسحار، والإكثار من الاستغفار.

طلبُ العلم النافع، والتفقّه في الدِّين «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» (طـه: من الآية 114).

سؤالُ أهل العلم، قال تعالى: «فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (النحل: من الآية 43)، وحضور مجالس الذكر، «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم».

فطلبُ العلم زيادة في الإيمان، وتثبيت لأصل التوحيد «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ». (محمد: من الآية 19)، فقد بدأ هنا بالعلم قبل القول والعمل.

وممّا يزيد الإيمانَ الصدقة، والبذل والعطاء، وقد تقدّمتْ في مقالةٍ مستقلّةٍ، ولكنّ الشاهد هنا أنها ترفع من إيمان العبد وتزكّيه، وتهذّب سلوكه وتقوّم اعوجاجه.

وممّا يزيد الإيمانَ التفكّرُ في آيات الباري تبارك اسمه، ومطالعة آثاره في الكائنات، وبديع صنعه في المخلوقات، قال تعالى: «وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (آل عمران: من الآية 191). ورمضان زمن صفاء ذهن المتأمّل، وإشراق فكر المتفكّر، واستنارة قلب المُعتبِر؛ فهو جديرٌ بالتفكر في بديع صنع الخالق تباركت أسماؤه.

والإيمان ينقص ويمرض وقد يموت.

ينقص الإيمان بالإعراض عن الكتاب والسنة، والاكتفاء بحثالة أذهان البشر، وعصارة أدمغة الناس، والعكوف على نتاج المخلوقين الضعفاء المقهورين، فإذا فعل العبد ذلك واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير تمّتْ خسارته، وبان هلاكُه، وظهرتْ مَقاتلُه، واستحوذ عليه الشيطان «أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ» (المجادلة: من الآية 19). إذا ما لم يزدك العلم خيراً فليتك ثمّ ليتك ما علمْتا وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثمّ ليتك ما فهمْتا ينقص الإيمانَ اللهوُ واللعبُ والغفلة والإعراضُ عن منهج الله عز وجل، ومجالسةُ أهل الباطل المعرضين عن الشريعة، الساقطين في حمأة الرذائل والشهوات. قال تعالى: «وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» (الكهف: من الآية 28).

ينقص الإيمانَ إطلاقُ الجوارح في المعاصي، وتلطيخُ الأعضاء بالسيّئات، وتسويدُ القلب بالذنوب.

عينٌ تنظر إلى الحرام، وأذنٌ تسمع إلى الخنا، وقلبٌ يرتع في الشهوات، ويدٌ تبطش ظلماً، وفرجٌ يقترف الفحشاء، وبطنٌ يمتلئ من الآثام، رحماك يا ربّ! وعفوَك يا الله! يا صائماً عافتْ جوارحُه الخنا أبشِرْ برضوانٍ من الدّيّانِ عفوٍ ومغفرةٍ ومسكنِ جنةٍ تأوي بها من مدخل الريّانِ على الصائم أن ينظر: أزاد إيمانه في رمضان أم نقص؟ أعَظُمَ يقينه أم قلّ؟ ليعرف الزيادة من النقصان، والربح من الخسران.

اللهمّ زدْنا إيماناً ويقيناً وفقهاً وتوفيقاً.


[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 18:15

صيام البطن

صيام البطن
صيام البطن

د. عائض القرني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
الطعامُ حِلّاً وحرمةً له أثرُه على حياة الإنسان وسلوكه وأخلاقه، ولذلك أمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ رسله، فقال: «يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً» (المؤمنون: من الآية 51). وقال سبحانه للمؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» (البقرة:172). والطيبات هي ما أحلّه الله ـ عز وجلّ ـ لعباده المؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله يقول عنه: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ» (لأعراف: من الآية 157).

وصيامُ البطن اجتنابُه للحرام، زيادةً على اجتنابه الطعامَ والشرابَ، وكلّ ما يفطر في نهار رمضان. فهو يصوم أيضاً عن الحرام عند إفطاره؛ فلا يأكل الربا؛ إذ إنه بأكله الربا يغضب المولى تبارك وتعالى. يقول سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً» (آل عمران: من الآية 130). وقال سبحانه: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا» (البقرة: من الآية275). صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: «لعن اللهُ آكلَ الرّبا ومُوكِلَه وكاتبَه وشاهديْه». وقال: «هم سواء».

آكِلُ الرّبا يضحك على نفسه؛ فيملأ بطنه من الحرام، ويدعو ربّه وقد سدّ طرُقَ الإجابة وأغلق باب القبول.

صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنّه ذكر الرجل أشعثَ أغبرَ يطيل السّفر، يمدّ يديه إلى السماء، يقول: يا رب! يا رب! ومَطعَمُه حرام، ومَشرَبُه حرام، وغُذّي بالحرام، فأنّى يستجاب له؟». فهذا رجلٌ كثير العبادة، ولكنّه آثم في طعامه، غير متّقٍ لله في أكله وشرابه.

كيف يصوم البطن وقد أفطر على الحرام، وطعامه من الرّبا والسُّحت، والغشّ ومال اليتيم والغصب؟

فسدت ـ والله ـ كلّ الأذواق لمّا فسد الطعام والشراب، قست القلوبُ لمّا خبث المأكل والمشرب، انطمس النور لما فُقدت اللقمة الحلال.

صحّ عن أبي بكر الصّدّيق ـ رضي الله عنه ـ أنه تغدّى يوماً من الأيام، ثم سأل خادمه: من أين هذا الطعام؟ فقال: من كهانة كنت أتكهّن بها في الجاهلية. فأدخل أبو بكرٍ يدَه، وانتغر، فأخرج ما في بطنه من الطعام. فرضي الله عنه، ما أصدقه وأطيبه وأطهره! اللقمة تبقى في بطن صاحبها، ويبقى أثرها مع اللحم والدم. وأيّ جسدٍ نبتَ من الحرام فالنار أولى به.

كان السلف الصالح يعرفون من أين يأكلون، فصفَتْ أذواقُهم، وصحّت أبدانُهم، وأشرقتْ قلوبُهم. فلمّا فسد طعام المتأخِّرين وشرابُهم انطمستْ معالم الهدى من قلوبهم.

صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: «ما أكلَ عبدٌ طعاماً خيراً مِن أن يأكلَ مِن كَسِب يده، وإنّ نبيّ الله داودَ ـ عليه السلام ـ كان يأكل من طعام يده".

فزكريّا ـ عليه السلام ـ كان نجاراً، وداودُ ـ عليه السلام ـ كان حدّاداً، ومحمدّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأنبياءُ ـ عليهم الصلاة والسّلام ـ كانوا يرعون الغنم.

والإسلام يدعو إلى الكسب وطلب الرزق، لكن من أبوابه المشروعة.

يقول سبحانه: «وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(الأنعام: من الآية 152). وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (النساء:10). وقال عزّ وجلّ: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (البقرة:188). وقال عزّ اسمه: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ» (البقرة: من الآية 275) .

وصحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: «لعن الله الراشي والمرتشي». ويروى: الرائش. يقول ـ سبحانه ـ ذامّاً مَن فسد من اليهود والنصارى: «وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (المائدة:62). يقصّ علينا ابن الجوزي في صيد الخاطر أنّه أكل أكلةً من شُبهةٍ، فتغيّر قلبُه، وأظلم عليه مدةً من الزمن. وذلك أنهم لصفاء قلوبهم أحسّوا بالتغيّر. أمّا الكثير اليومَ فيأكل ما أراد من الحرام، فلا يرى تغيّر قلبه؛ لأنه

* من يَهُنْ يسْهُلِ الهوانُ عليه - ما لِجرحٍ بميّتٍ إيلامُ.

وتناول بعضهم الخمر والمسكر بأنواعه، فحرّم لذّة العبادة وحلاوة الطّاعة، وعاش منغّصاً قلِقاً محروماً من السعادة، ومن ساعة الإجابة. فيا أيّها الصائم! هناك صيام للبطن، مَن لم يصمْه فكأنّه ما صام. فهل من صائمٍ عن الحرام، ورِعٍ عن الشراب والطعام ليدخل دار السلام.

اللهم اجعلنا ممّن يحلّل حلال الشريعة، ويحرّم حرامها.


[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 18:13

صيام اللّسان

صيام اللّسان
صيام اللّسان

د. عائض القرني

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
للّسان صيامٌ خاصّ يعرفه الذين هم عن اللغو معرضون، وصيام اللسان دائم، في رمضان وفي غير رمضان، ولكنّ اللسان في رمضان يتهذّب ويتأدّب، صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال لمعاذ رضي الله عنه: «كُفَّ عليك هذا. وأشار إلى لسانه»، فقال معاذ: أوَإنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ثكلَتْك أمك يا معاذ، وهل يكبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟».

ضرَر اللسان عظيم، وخطره جسيم، وكان أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يأخذ بلسانه ويبكي، ويقول: هذا أوردَني الموارد.

اللسان سبع ضار، وثعبان ينهش، ونار تلتهب.

* «لسانك لا تذكُرْ به عورة امرئ - فكلّك عوراتٌ ولِلنّاس ألسُنُ».

* ابن عباس رضي الله عنهما يقول للسانه: يا لسان قل خيراً تغنمْ، أو اسكت عن شرٍّ تسلَمْ.

رحم الله مسلماً حبس لسانه عن الخنا، وقيّده عن الغيبة، ومنعه من اللّغو، وحبسه عن الحرام.

رحم الله من حاسب ألفاظه، ورعى ألحاظه، وأدّب منطقه، ووزن كلامه.

يقول تبارك اسمه: ?مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ? (ق:18). فكلّ لفظة محفوظة، وكلّ كلمة محسوبة ?وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ? (فصلت: من الآية 46). صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: «من يضمنْ لي ما بين لَحْيَيْه وما بين فخذيه أضمنْ له الجنّةَ».

* «احذرْ لسانك أيّها الإنسانُ - لا يلدغنّك إنّه ثعبانُ»

* «واللهِ إنّ الموتَ زلّة لفظةٍ - فيها الهلاك وكلّها خسرانُ»

* لمّا تأدّب السلف الصالح بأدب الكتاب والسنّة وَزَنوا ألفاظهم، واحترموا كلامهم؛ فكان نطقهم ذكراً، ونظرُهم عبراً، وصمتهم فكراً.

ولمّا خاف الأبرار من لقاء الواحد القهّار أعملوا الألسنة في ذكره وشكره، وكفّوا عن الخنا والبذاء والهراء.

قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه: «واللهِ ما في الأرض أحقّ بطول حبسٍ من لسان».

يريد الصالحون الكلام، فيذكرون تبعاته وعقوباته ونتائجه؛ فيصمتون.

كيف يصوم من أطلق للسانه العنان؟ كيف يصوم من لعب به لسانه، وخدعه كلامه، وغرّه منطقه؟ كيف يصوم من كذب واغتاب، وأكثر الشتم والسباب، ونسي يوم الحساب؟ كيف يصوم من شهد الزور، ولم يكفّ عن الشرور؟

صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: «المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده». وهل الإسلام إلا عمل وتطبيق، ومنهج وانقياد، وسلوك وامتثال.

يقول جل اسمه: ?وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ? (الإسراء: من الآية 53). والتي هي أحسن: اللفظ المؤدّب الجميل البديع الذي لا يجرح هيئة ولا شخصاً، ولا عرض مسلم، ولا ينال من كرامة المؤمن.

يقول عز وجل: ?وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ? (الحجرات: من الآية 12). كم من صائم أفسدَ صومَه فسادُ لسانه، وسوءُ منطقه، واختلالُ لفظه! ليس المقصود من الصيام الجوع والظمأ، بل التهذيب والتأديب.

في اللسان أكثر من عشرة أمراض إذا لم يُتحكّم فيه.

من عيوبه: الكذب، والغيبة، والنميمة، والبذاءة، والسبّ، والفحش، والزور، واللّعن، والسخرية، والاستهزاء، وغيرها.

رُبّ كلمةٍ هوى بها صاحبُها في النار على وجهه، أطلقها بلا عنان، وسرّحها بلا زِمام، وأرسلها بلا خِطام.

اللسان طريقٌ للخير، وسبيلٌ للشر، فيا لَقُرّة عين مَن ذكر اللهَ به، واستغفر وحمد، وسبّح وشكر وتاب، ويا لَخيبة مَن هتك به الأعراض، وجرح به الحرمات، وثَلَم به القِيَم.

يا أيها الصائمون! رطّبوا ألسنتكم بالذّكر، وهذّبوها بالتقوى، وطهّروها من المعاصي.

اللهم! إنّا نسألك ألسنةً صادقةً، وقلوباً سليمةً، وأخلاقاً مستقيمةً.


[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 18:11