الجود في رمضان

الجود في رمضان

د. عائض القرني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين وبعد.
قال سبحانه وتعالى: «وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ» (البقرة: من الآية 110)، وقال سبحانه: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (البقرة:261).

وفي الصحيح عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلَرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجود بالخير من الريح المرسَلة.

إن الصيام يدعو إلى إطعام الجائع، وإعطاء المسكين، وإتحاف الفقير.

وشهر رمضان موسم للمتصدقين، وفرصة سانحة للباذلين والمعطِين:

* الله أعطاك فابذل من عطيته - فالمال عارية والعمر رحّال

* المال كالماء إن تحبس سواقيه - يأسن وإن يجرِ عذبٌ منه سلسال.

ما أجمل البذل! وما أحسن الصدقة! وما أجمل العطاء! صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: «إن لله ملكين يناديان في كل صباح، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً».

كلما أنفق العبد أخلف الله عليه ببسطة في الجسم وراحة في البال وسعة في الرزق.

صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار». والخطايا لها حرارة في القلوب واشتعال في النفوس، ونار موقدة في الحياة، ولا يطفئ هذه الحرارة والاشتعال إلا الصدقة.

الصدقة باردة على القلب، طيبة على الروح، تحتّ الخطايا حتّاً.

صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال:«كل امرئ في ظِلّ صدقته يوم القيامة، حتى يقضى بين الناس». عجيب جدّ عجيب أمر الصدقة؛ ظِلّ وارف، يتفيأ ظلها العباد يوم القيامة، وكلٌّ بحسب ظله الذي أنتجته صدقته في الدنيا.

كان عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ صاحب مال وثراء، في مرضاة ربه تبارك وتعالى جهز جيش تبوك، وشرى بئر رومة للمسلمين، وتصدق وأعطى، ولسوف يرضى.

وكان عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ غنياً موسراً، فتصدّق بحمل سبعمائة جمل مرة واحدة على فقراء المدينة، ليكافئه الله على ما فعل.

* في الناس صائم لا يجد كسرة خبز ولا مذقة لبن ولا حفنة تمر.

* في الناس صائم لا يجد بيتاً يؤويه، ولا مركباً يحمله، ولا صاحباً يواسيه.

* في الناس صائم لا يجد ما يفطر به أو يتسحر عليه.

وقد صحّ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: «من فطر صائماً كان له مثل أجره دون أن ينقص من أجر الصائم شيئاً».

الصالحون يزيد كرمهم في رمضان، فيبذلون ويعطون وينفقون.

كان كثير من الأخيار يتكفل بإفطار جماعات من الفقراء والمساكين طلباً للأجر العظيم والثواب الجزيل من الله تعالى.

كانت مساجد السلف تمتلئ بالطعام المقدم للفقراء، فلا تجد جائعاً ولا محتاجاً.

والعجيب أن كل ما ينفقه العبد في أكله وشربه ولباسه زائل لا محالة إلا ما ينفقه في مرضاة الله ـ عز وجل.

يقول ـ عز من قائل: «إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ» التغابن:17).

أيها الصائم! إنك ببذلك وعطائك تقرض ربك ليوم فقرك وحاجتك وضرورتك؛ يوم الفقر والمسكنة؛ يوم التغابن.

أيها الصائم! شربة ماء ومذقة لبن وحفنة تمر وقليل من الطعام والمال واللباس والفاكهة تسديها إلى محتاج هي طريقك إلى الجنة.

أيها الصائم! تالله لا يحفظ المالَ مثلُ الصدقة، ولا يزكّي المالَ مثلُ الزكاة.

مات كثير من الأثرياء من الأموال والكنوز والدور والقصور ما الله به عليم، فأصبح كل ذلك حسرةً عليهم، وندامة وأسفاً؛ لأنهم ما جعلوه في مصارفه.

وغداً يظهر لك الربح من الخسران، والله المستعان.
[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 17:57

Modifié le lundi 25 février 2008 05:53

اللغة العربية في خطر

اللغة العربية في خطر
اللغة العربية في خطر

عائض القرني

اللغة العربية أكثر لغات الأرض مفردات وتراكيب، وهي لغة العلم والفن والعقل والروح والصوت والصورة، ولكنها اليوم في خطر أمام مد التغريب الزاحف والعاميّة الجارفة، فكثير من العرب يفخر بغير لغته حتى صار من الموضة عند كثير منهم الرطانة بالإنجليزية والتباهي بترداد مفرداتها، ومن سافر من العرب إلى الغرب عاد يرطن بعدة كلمات ليوهم الناس أنه عاد بثقافة الغرب وحضارته وكأنه الدكتور أحمد زويل أو البروفسور زغلول النجار، بينما تجده كان ماسحاً للسيارات في شوارع لندن أو نادل مطعم في تكساس. والعربية مهدّدة بلغات العمالة الوافدة إلى بلاد العرب، وبالخصوص الخليج العربي، فالأرض تتكلم أوردو أو بشتو ولغة التاميل، حتى صارت المربيات يلقنّ أطفالنا لغاتهم على حساب لغتنا فضعفت لغتنا، أمام هذا السيل الطاغي من اللغة الوافدة، وتهدد العربية أيضاً باللهجة العامية فأكثر الأشعار الآن باللغة المحلية وهي لغة بلدية محليّة دارجة سوقية وتعقد لشعرائها مسابقات وجوائز ثمينة، بينما شعراء العربية أكلتهم الوحدة والإهمال والتجاهل، وزاد الطين بلَّة قيام وزارات التربية والتعليم في الدول العربية بتدريس العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية أو الفرنسية وأصل هذه العلوم كان بالعربية في عهد الفارابي وابن سيناء وابن النفيس وجابر بن حيان، فضعف فهم الطالب لهذه العلوم ونسي لغته العربية الأم. واليوم أصبح من الواجب على كل عربي غيور أن يهب لحماية لغته من الفناء وينقذها من الموت، كل في حقله وتخصصه، فأهل التربية والتعليم والمفكرون والمثقفون والأدباء ورجال الإعلام هم المسؤولون عن العربية أمام الله ثم الأمة والتاريخ، وكما قال أبو منصور الثعالبي: من أحب الله أحب رسوله ( ومن أحب رسوله أحب القرآن ومن أحب القرآن أحب العربية؛ لأن القرآن نزل بها ومن الشرف العظيم والمجد المنيف لهذه الأمة أن كتابها عربي ونبيّها عربي، ولكن المتسوّلين على أبواب الأجنبي والمتطفلين على موائد الغير يرفضون هذا الشرف ويفرّون من هذا المجد، والحل أن تتبنى الحكومات العربية ميثاق شرف حماية العربية وأن تلتزم بالعربية لغة رسمية في كل شؤونها كما فعلت كل أمم الأرض، ويُعلَّم الجيل لغته الأم، ويُوقف في وجه كل دعوة للتغريب والتشويه والعامية، لنحافظ على هويتنا كعرب اختارنا الله للرسالة الخاتمة والدين العظيم والملة السمحة.
[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 17:56

بشِّروا ولا تنفِّروا

بشِّروا ولا تنفِّروا
بشِّروا ولا تنفِّروا

عائض القرني

بشِّروا ولا تنفِّروا ويسِّروا ولا تعسِّروا، هذا كلام الرسول المعصوم (وإعلان صريح وخطاب واضح موجّه لحملة الإسلام، معناه التبشير بالدِّين الجديد والتّيسير على الناس وعدم تنفيرهم بالغلظة والفظاظة، بل دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة وتذكيرهم برحمة أرحم الراحمين، إن العلماء والدعاة وحملة الهم الإسلامي هم رسل سلام ورحمة في الحقيقة، فإذا خالف أحدهم هذا المنهج وأصبح ينفِّر الناس بشدّته وقسوته ويقنّطهم من رحمة الله فإنما لخلل في نفسه هو، وإلا فإن رسالة الإسلام رسالة حب وسلام ورحمة وهداية، يقول الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)، ولهذا أنهى إخواني من الدعاة الذين يهدِّدون الناس بخطبهم ويتوعَّدونهم وكأن الرحمة والعذاب بأيديهم، والبعض يتكلم للناس بمثالية وتعالٍ، وكأنه في برج عالٍ أو من فصيلة أخرى لا يذنب ولا يخطئ، والله يقول: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا)، لماذا لا نعترف بإنسانيتنا وقصورنا وعجزنا؟ ولماذا لا نخاطب الناس على أننا مثلهم وهم مثلنا كلّنا بشرٌ نصيب ونخطئ، نذنب ونستغفر، ننجح ونخفق، لا أحد منّا يملك الوصاية المطلقة على الإسلام، ولا أحد منّا هو الناطق الرسمي الوحيد باسم بالدِّين، فليس عندنا في الإسلام (بابا) ولا (ماما) كلّنا أهل رسالة ربّانّية عالمية هي رسالة سلام وإخاء وبشرى وهداية ورحمة، لا أحد أذكى ولا أطهر ولا أنبل ولا أكرم من محمد، ولهذا ذكّره ربه بالأسلوب الجميل في الدعوة فقال: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) إن كلمات الوعيد والتهديد في الموعظة والتّنفير والحِدّة المتناهية معناها أن المتكلم لم يفهم إلى الآن مقاصد هذه الشريعة المحمدية، فهو يتكلم على حسب طبيعته هو المركَّبة من الفظاظة والغلظة والقسوة، فأخذ يعبِّر عن الإسلام لكن بفكرته التشاؤمية السوداوية وكيف يصغي لخطابنا من نخبره أنه شرّير وأن الله لا يغفر له وأن النار تنتظره ونمطره صباح مساء بالويل والثبور وعظائم الأمور، مع العلم بأن الكتاب والسنة بشَّرا بالتوبة واللطف من الله والرحمة الواسعة والمستقبل الجميل والمنقلب الحسن (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) إن مفاتيح الجنّة بيد الله وحده جل في علاه، وهو الذي خلقنا من تراب وعلم ضعفنا، وهو غني عنّا ومع ذلك دعانا بالرفق واللين ووعدنا رحمته وهو ارحم الراحمين، فكيف يأتي بعضنا يستعرض علينا قدراته البيانية وملكاته الخطابية ويحاصرنا بالتّبكيت والتأنيب والتّسفيه والتّجهيل؟ وفي الحديث الصحيح أن رجلاً عابداً نصح أحد العصاة فلم يستجب له العاصي، فقال العابد للعاصي: والله لا يغفر الله لك، فقال الله تعالى: من الذي يتألَّى عليَّ؟ أشهدكم أني غفرت لهذا العاصي وأحبطتُ عمل هذا العابد.
إذاً أيها الإخوة الفضلاء دعونا نقدِّم بشرى للناس لهذا الدِّين الخاتم ونجعله حلاًّ لمآسيهم ومشكلاتهم؛ لأن رسوله الكريم جاء كما وصفه ربُّه(ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) فمهمَّته إزالة العُسر والمشقة والعنت وإدخال السرور والأمن والرضا والسكينة، إن ديننا العظيم بريء من كهنوت الكنيسة التي تدعو إلى قتل الإنسانية في الإنسان وتحريم ما أحلَّه الله ونسف مباهج الحياة وإلغاء إشراق الروح، ولهذا قال الله عنهم (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) فديننا غذاء للعقل وزاد للروح ومتعة للعاطفة، ورسالتنا حياة للجسم ونور للقلب وسعادة للدنيا وفوز في الآخرة وإصلاح للفرد واستقامة للأمة، فهو توازنٌ بين الحقوق والواجبات، والفرائض والنوافل، والمكاسب والمواهب، والأخذ والعطاء؛ لأنه نزل بميزان العدل (أن لا تطغوا في الميزان) فلا بد لمن يدعو للهداية أن يفهم دين الله وأن يتفقَّه في شريعته سبحانه ليدعو إلى الله على فهم عميق كما قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).

[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 17:55

أوقد شمعة ولا تلعن الظلام

أوقد شمعة ولا تلعن الظلام

أوقد شمعة ولا تلعن الظلام

عائض القرني

الذكي الموفق يحوّل خسائره إلى مكاسب، طُرد الرسول من مكة إلى المدينة فانشأ دولة عادلة ملأت سمع الزمان وبصره، سُجن ابن تيمية فكتب في السجن ثلاثين مجلداً من العلم النافع، وضُع السرخسي في بئر معطّلة تحت الأرض فألَّف كتاب المبسوط عشرين مجلداً، أقعد ابن الأثير فصنَّف جامع الأصول أنفع وأفيد كتاب في الحديث، تعطَّل عطاء بن أبي رباح عن المكاسب الدنيوية لأمراضه وضعفه فجلس في الحرم ثلاثين سنة يتعلم العلم فصار عالم الدنيا، أصابت الحمى أبا الطيب المتنبي فأرسل للعالمين قصيدته الرائعة الذائعة:
* وَزائِرَتي كَأَنَّ بِها حَياءً - فَلَيسَ تَزورُ إِلا في الظَلامِ

* وعمي طه حسين فواصل دراسته حتى نال العالمية، وبُتِرت رجل الزمخشري فلزم بيته يقرأ ويصنِّف فصار أعجوبة الدهر، إذاً استثمر الوجه الآخر للمأساة وانظر إلى الجانب المشرق للمصيبة وحاول أن تصنع من الليمون شراباً حلواً، وتكيّف مع ظرفك القاسي واعلم أن العظماء إنما شقوا طريقهم إلى المجد على الجمر وعلى الشوك والتعب والمشقة؛ لأن طريق الراحة التعب، والتفوق والانتصار قطرات من الدموع والآهات والدماء والعرق، أما الإخفاق والهزيمة فإنها كبسولات مسكِّنة من الفشل والكسل والتسويف والإحباط والراحة، فإذا واجهتك أزمة وصدمتك مأساة فلا تقابلها بالعويل والثبور والبكاء والتحسر، بل واجهها بالاحتساب والصبر والإصرار على الانتصار والثبات والاستمرار، إن العباقرة في الغالب لم تكن ظروفهم مهيأة ولا النعم لديهم مكتملة ولا الوسائل متاحة، فمن عنده مال ليس لديه صحة، ومن رُزق ذكاءً خسر الثروة، ومن مُتِّع بسمعه قد يفقد بصره، فحال الدنيا عدم الاكتمال، فلو أن الدنيا تمّت لأحد من العز والمال والصحة والجاه والسرور والأمن لصارت جنّة ولما كان في الآخرة جنّة ثانية، لكن هذه الدنيا (من سرَّه زمنٌ ساءته أزمان) فلا تنتظر أن يصفو لك العيش وتسالمك الأيام وتُتاح لك الفرص وتُفرش لك طريق المجد بالورود، ولكن انطلق بما أعطاك الله من موهبة ونعمة ووظِّفها أحسن توظيف واجتهد غاية الاجتهاد، وإذا ضمك الليل فلا تلعن الظلام ولكن أوقد شمعة، وإذا تعطلت بك سيارتك فلا تلقي خطبة رنّانة في سبّ من صنعها أو الطريق الذي مشت عليه، ولكن أصلحها وواصل السير، وإذا تنكَّر لك صديق فلا تنظم فيه قصائد الهجاء وتضيّع وقتك ولكن ابحث عن صديق آخر أو عش وحيداً، وكن كالنملة تحاول الصعود ألف مرَّة ولا تؤمن بالإحباط أبداً، وكن كالسيل إذا وُضعت في طريقه صخرة انحرف ذات اليمين وذات الشمال، الفرص أمامك كثيرة والأيام المشرقة تنتظرك، والانتصار حليفك إذا بذلت واجتهدت وتوكّلت على الله، لا تعترف في الحياة بالهزيمة أبداً وقاوم إلى آخر نَفَس من حياتك فإن أبا الريحان البيروني بقي يدّرس حتى في يوم وفاته، وأبو يوسف القاضي يناقش طلابه وهو في سكرات الموت، وابن سيناء يكمل مصنَّفه والموت يدبُّ في أطرافه، لأن الحياة لا تعترف بالخاملين الكسالى، والدهر لا يصفق للفاشلين، والمؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، قال شوقي:

* وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي - وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا

* وقلت أنا (وأعوذ بالله من كلمة أنا):

* كن أحمر العين إن المجد منتهبٌ - وكن فديتُكَ مرجوّاً ومرهوبا

* لم ينفع الشّاةَ في الدنيا سكينتها - والليث ما ضرّهُ أن ليس محبوبا

[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 17:53

اخلع النظارات السوداء

اخلع النظارات السوداء
اخلع النظارات السوداء
د. عائض القرني
التشاؤم هو مادة من مقررات مدرسة الشيطان، وقد حذَّرنا الله تعالى من ذلك فقال «الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم» فإذا أوحت لك نفسك الأمَّارة بالسوء بأنك سوف تفشل وتخفق وتفتقر غداً، وبأنك في المستقبل سوف تُصاب بمصيبة وتقع في كارثة فهذا كلّه كذب وأراجيف، ومشكلتنا أننا إذا خلونا الى أنفسنا انتقلت بنا النفس إلى الخانة السوداوية فحدَّثتنا عن الآلام والمصائب، والأوجاع والنّكبات، ولكن للأسف لا تنقلنا إلى خانة التفاؤل، ولا تخبرنا بما عندنا من النِّعم وما حققناه من النجاح وما أحرزناه من التّفوق والانتصار، فتجد الكثير منا يفكر في المفقود ولا يشكر الله على الموجود، ويبقى عمره ينتحب على فقد ولد أو ولدين، ولكنه لا يفرح ببقاء العشرة من أبنائه، وتجد البعض يتحسَّر لأنه سوف يمرض غداً، ويتأسَّف لأنه سوف يفتقر بعد سنة، ويتحسَّر لأنه سوف يموت بعد ستين عاماً، وأنت إذا أنصفت نفسك وجدت أن الحياة أجمل مما تتصور، وأنها أروع مما تتخيّل، فمكاسبك فيها أكبر من خسائرك، ونِعَم الله عليك أعظم من المصائب التي حلَّت بك، الحياة جميلة متى ما نظرت إليها بتفاؤل ومتى ما أحسنت توظيف نِعَم الله عليك ومتى ما استقبلت المواهب الرّبانية بقبول حسن، لكنَّك لن تجد للحياة طعماً لذيذاً، ولن ترى لها صورة حسنة ما دمت تحمل بين جنبيك نفساً متشائمة ونظرة سوداوية، فلو سكنت قصراً مشيداً وحللت حديقة غنّاء وأشرفت على نهر مطّرد وملكت كنوز الدنيا فسوف تبقى كئيباً تعيساً منغَّصا؛ لأنك صدّقت الشيطان في أخباره السيئة ووعوده الكاذبة، ولو صدَّقت الرحمن وآمنت به لرضيت بقضائه وقدره ولقنعت برزقه، فتجدك متبسِّماً سعيداً وأنت تسكن كوخاً وتأكل خبزاً جافاً وتنام على الرمل، إن أكثر الشقاء الذي يعيشه كثير من الناس أوهام مزيّفة وأخبار مغلّفة بالكذب؛ لأنهم وضعوا على عيونهم نظارات سوداء من التشاؤم والنظر إلى الجانب السلبي المظلم من الحياة فأصبحوا لا يرون إلا سواداً في سواد، فهم لا يتمتَّعون ببهاء الشمس الساطعة وإنما يشكون حرارتها، ولا يتلذّذون بشرب الماء الزلال ولكنهم ينـزعجون من برودته، وإذا ناولت أحدهم وردة جميلة نظر إلى شوكها، ولهذا يقول إيليا أبو ماضي:
* أيها المشتـكي وما بـك داء ـ كيف تغدو إذا غدوت عليلا
* وترى الشوك في الورود وتعمى ـ أن تـرى فوقها الندى إكليلا
* والذي نفسـه بغيـر جـمال ـ لا يرى في الوجود شيئاً جميلا .
فاخلع نظاراتك السوداء التشاؤمية ونظِّف ذاكرتك السوداوية من الأوهام والإحباط والخرافة واقبل على الحياة بإيمان ورضا وعزيمة، وسوف تجد الحياة تعطيك أكثر مما تطلب، وسوف تراها أبـهى وأبـهج مما تتوقع، وقد ذكروا في التاريخ المعاصر أن فرنسا في ثورتها العارمة سجنت شاعرين من شعرائها، متفائلاً ومتشائما، فأما المتفائل فأخرج رأسه من النافذة ونظر نظرة الى النجوم وضحك، وأما المتشائم فنظر إلى البائسين في الشارع المجاور فبكى، وقد قسَّم الوحي الناس في استقبالهم للقرآن العظيم إلى قسمين حسب نظراتهم في الحب والتفاؤل والكره والتشاؤم «وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون»، كم مرّة ظننا أنها النهاية فإذا هي البداية، كم من يوم اعتقدنا أنه الإخفاق والإحباط فإذا هو الانتصار والنّجاح، كم من مصيبة حسبنا أنها ساحقة ماحقة فإذا هي نعمة وهبة ربّانّية قوَّتنا وأيقظتنا، كم مرّة خِفنا ولكن لم يحدث ما نخاف، وكم مرّة تشاءمنا ولكن لم يحصل مكروه، فعلينا جميعاً أن نستقبل أيامنا بالتفاؤل والنفس الراضية والهمة العالية «ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين».

[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le dimanche 24 février 2008 17:51